نخبة من الأكاديميين
545
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
أقليدس . لكن ، ولكي يتمّ بحث كهذا ، كان لا بدّ من ثقافة علميّة واسعة . هذه الثقافة التي كانت تزداد غنىً وتوسّعاً مع تكوّن المدينة العلميّة ومؤسّساتها . وكانت الترجمة إحدى وسائل هذا التكوُّن . هذا النشاط في ترجمة الإرث الإغريقي لم يكن يتقدّم اتّساعاً فحسب ، إنّما أيضاً ، ومرّةً أخرى بفضل البحث ، كان يتقدّم إدراكاً . لذلك لم تتوقّف معايير الجودة في الترجمة عن التطوّر ؛ وذلك يفسّر بالضبط ، الحركة ، الكثيفة هي أيضاً ، في إعادة الترجمة وفي مراجعة الأعمال المترجَمة . وهذا يعني أنّ الإعادة والمراجعة أصبحتا علامتين ممَيِّزتين لحركة ترجمة الإرث الإغريقي إلى العربيّة . فقد كانت " أصول " أقليدس موضوعاً لثلاث ترجمات ، وقد تمّت مراجعة الأخيرة منها . وينطبق الأمر نفسه على " المَجِسطي " ، وعلى بعض كتابات أرخميدس ، كما على بعض الكتابات في علم المناظر ، إلخ . ويمكن القول إنّ مراجعة الترجمة انتهت إلى أن تصبح قاعدة ، وذلك منذ أن راجع الكِندي بعض ترجمات قسطا بن لوقا ، وراجع ثابت بن قرّة ترجمات إسحق بن حنين . 4 . شهادات قديمة في جدليّة الترجمة والبحث : حالة " المَجِسطي " . رأينا إذن أنّ ترجمة " المخروطات " ورغم طابعها التقنيّ ذي المستوى الرفيع ، تعكس وضعاً يكاد يكون عامّاً . تلك الترجمة قدّمت لنا مثلًا توضيحيّاً ملموساً على الأسباب التي دعت إلى القيام بالترجمة ، وعلى تلك التي أدّت إلى إعادة البدء بها وأخيراً على تلك التي دفعت إلى مراجعة الترجمة . ونصادف وضعاً مشابهاً في علوم الرياضيّات الأخرى وكذلك في الخيمياء أو الطب ، ولكن ، وبالطبع ، مع بعض الاختلافات العائدة إلى طبيعة العلم نفسه وإلى مواضيعه ، والعائدة كذلك إلى درجة اليقين المطلوبة منه . والوضع هو نفسه أيضاً في علم الفلك مثلًا ، وسياق الترجمة هو نفسه فيما يخصّ ترجمة العمل الأهم في علم الفلك القديم وهو مؤلَّف " المَجِسطي " . وبهذا الشأن ، لدينا شهادة ثمينة من العالِم المتبحّر من القرن الثاني عشر ابن الصلاح ، الذي يكتب : " وكان قد حصل من كتاب المجسطي خمس نسخ مختلفة اللغات والتراجم ، منها نسخة سريانيّة قد نُقِلت من اليونانيّة ، ونسخة ثانية بنقل الحسن بن قريش للمأمون من اليونانيّة إلى العربيّة ، ونسخة ثالثة بنقل الحجّاج بن يوسف بن مطر وهليا بن سرجون للمأمون أيضاً من اليونانيّة إلى العربيّة ، ونسخة رابعة بنقل إسحق بن حنين لأبي الصقر بن بلبل من اليونانيّة إلى العربيّة ، وهي دستور إسحق وبخطّه ، ونسخة خامسة بإصلاح ثابت بن قرّة لنقل إسحق بن حنين " « 1 » . نشهد إذاً ، وخلال نصف قرن من الزمن تقريباً ، ثلاث ترجمات على الأقل لِ - " المجسطي " ، بالإضافة إلى مراجعة قام بها أحد ألمع علماء العصر في الرياضيّات والفلك ( ثابت بن قرّة ) . خلال القرن التاسع للميلاد ، نُقِلت إلى العربيّة كلّ الكتابات اليونانيّة في علم الفلك ، مع بعض الاشتثناءات . وهناك حدثٌ آخر له دلالته أيضاً ، وهو أنّ عقدين من الزمن ( هما فترة حكم المأمون ) شهدا إنتاج ترجمتين لِ - " المجسطي " . ولا يمكن أن نفهم هذا الحدث البارز خارج إطار البحث . وقد قدّم حبش الحاسب عالِم الفلك اللامع في ذلك العصر ، على غير عادته ، صورة عمّا كان عليه الوضع في هذا المجال . يبدأ حبش بوصف وضع البحث في علم الفلك قبل المأمون . يُذَكِّر بأنّ بعض علماء الفلك وضعوا
--> ( 1 ) ر . مورلون : أنظر موسوعة تاريخ العلوم العربيّة ، إشراف رشدي راشد ، المذكورة سابقاً ، مج . 1 ، ص . 50 - 51 ( المترجِم ) . R . Morelon : " Lastronomie arabe orientale entre le VIIIe et le XIe siecle " , dans R . Rashed ( ed . ) , Histoire des sciences arabes , 3 vol . ( Paris , Le Seuil , 1997 ) , vol . I , p . 37 . عن الصفحة 155 من النص العربي لتحقيق كونيتش : P . Kunitzsch : Ibn al - Salah , Zur Kritik der Koordinaten berlieferung im sternkatalog des Almagest ( G ttingen , Vandenhock / Ruprecht , 1975 ) .